الحكيم الترمذي
46
كيفية السلوك إلى رب العالمين
والعقل في الاسم واحد ، وسلطانه ناقص وزائد وهو متبوع متفرع ، يقوى بقوة أركانه ويزداد بزيادة سلطانه . وأول مقام العقل هو عقل الفطرة ، وهو الذي يخرج به الصبي والرجل من صفة الجنون ، فيعقل ما يقال له لأنه ينهى ويؤمر ، ويميز بعقله بين الخير والشر ، ويعرف به الكرامة من الهوان ، والربح من الخسران ، والأباعد من الجيران ، والقرابة من الأجانب . ومنه عقل حجة وهو الذي به يستحق العبد من اللّه تعالى الخطاب ، فإذا بلغ الحلم يتأكد نور العقل الذي وصف بنور التأييد ، فيؤيد عقله ، فيصل الخطاب اللّه تعالى . ومنه عقل التجربة ، وهو أنفع الثلاثة وأفضلها ، لأنه يصير حكيما بالتجارب ، يعرف ما لم يكن بدليل ما قد كان . وهو ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا حكيم إلا ذو تجربة ولا حليم إلا ذو عثرة » « 1 » . ومنه عقل موروث ، وصفته أن يكون الرجل كبيرا عاقلا حكيما عليما حليما وقورا ، قد ابتلي بولد سفيه أو تلميذ سفيه لا ينتفع من صحبته ، فيموت هذا العاقل فيورث اللّه تبارك وتعالى ببركته عقله ونوره وضياءه ونفعه ووقاره وسكينته وسمته لهذا السفيه ، فيتغير حاله في الوقت ، فيصير وقورا عاقلا على سبيل سلفه هذا إنما يعاينه الإنسان بوفاة الكبير العاقل ، وتغيّر الحال في السفيه الجاهل . وليس يورث غير عقله ، ولكن يدركه بركة دعائه ونور علمه ، ويتفضل اللّه تبارك وتعالى بإتمام ذلك بمنه وكرمه . وهذه الوجوه منافعها على المقدار ، ويصلح الإنسان بهذه الوجوه من العقل لصحبة الناس وينتفعون به . ولعل هذه الوجوه تجمع فيمن لا يؤمن باللّه واليوم الآخر مثل الفلاسفة وحكماء الهند والروم وغيرهم ، لأن هذه الأنواع من العقل إنما هي لتأييد النفوس ومعاملة أهل الدنيا على سبيل المراءاة . وأما النافع منها تمام النفع فهو العقل الموزون المطبوع بنور هداية اللّه تعالى . وهو اللب الذي وصفته حديثا ويسمّى عقلا . والعقل يعبّر به عن العلم على وجه المجاز في سعة اللغة ، ولكن أولو الألباب هم العلماء باللّه ، وليس كل عاقل عالما باللّه ، وأما كل عالم باللّه فهو عاقل ، قال اللّه تعالى : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] .
--> ( 1 ) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، والأصل الخامس والثمانون والمائة ، في عثرة الحليم . . ، [ 2 / 295 ] .